علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )

297

ثمرات الأوراق

الأنصار لا يردّون مردّا قبيحا ، فأحسن لهم الردّ ، وادفع بالتي هي أحسن ، قال : يا ريّا ، فأيّ شيء أقول ؟ قالت : أغلظ لهم المهر ما استطعت فإنهم يرجعون ولا يجيبون ، وقد أبررت قسمك ، وبلغت مأربك ، وراعيت أضيافك . قال : ما أحسن ما قلت . ثم خرج مبادرا فقال : يا إخوتاه ، إن فتاة الحي قد أجابت ، ولكن أريد لها مهرا مثلها ، فمن القائم ؟ قال عبد اللّه : فقلت : أنا القائم بما تريد . فقال : أريد ألف مثقال من الذهب الأحمر ، قلت : لك ذلك ، قال : وخمسة آلاف درهم من ضرب حجر ، قلت : لك ذلك ، قال : ومائة ثوب من الأبراد والحبر ، قلت : لك ذلك . قال : وعشرين ثوبا من الوشي المطرّز . قلت : ولك ذلك . قال : وأريد خمسة أكرشة من العنبر . قلت : لك ذلك ؛ قال : وأريد مائة نافجة « 1 » من المسك الأذفر ، قلت : لك ذلك . قال : فهل أجبت ؟ قلت : أجل ثم أجل . قال عبد اللّه : فأنفذت نفرا من الأنصار أتوا بجميع ما ضمنته ، وذبحوا النّعم والغنم ، واجتمع الناس لأكل الطعام . فأقمنا هناك نحو أربعين يوما على هذا الحال ، ثم قال الغطريف : يا قوم ، خذوا فتاتكم وانصرفوا مصاحبين السلامة . ثم حملها في هودج ، وجهز معها ثلاثين راحلة عليها التحف والطّرف ، ثم ودّعنا ورجع : فسرنا حتى إذا بقي بيننا وبين المدينة مرحلة واحدة ، خرجت علينا خيل تريد الغارة ، وأحسب أنها من بني سليم ، فحمل عليها عتبة بن الحباب ، فقتل منها عدّة من رجالها وردّها وانحرف راجعا وبه طعنة تفور دما ، حتى سقط إلى الأرض ، فلم يلبث عتبة أن قضى نحبه . فقلنا : يا عتباه ! فسمعت الجارية ، فألقت نفسها عليه وجعلت تقبّله وتصيح بحرقة وتقول : تصبّرت لا أني صبرت وإنّما * أعلّل نفسي أنها بك لا حقه ولو أنصفت نفسي لكان إلى الردى * أمامك من دون البرّية سابقه فما واحد بعدي وبعدك منصف * خليلا ولا نفس لنفس مصادقه ثم شهقت شهقة واحدة قضت فيها نحبها . فاخترنا لهما مكانا وجدثا وواريناهما فيه . ورجعت إلى ديار قومي وأقمت سبع سنين بعدها ، ثم عدت إلى الحجاز ، ووردت إلى زيارة قبر النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فقلت : واللّه لأعودنّ إلى قبر عتبة فأزوره . فأتيت إلى القبر فإذا عليه شجرة نابتة ، عليها أوراق حمر وصفر وخضر وبيض . فقلت لأرباب الجهة : ما يقال لهذه الشجرة ؟ فقالوا : شجرة العروسين . فأقمت عند القبر يوما وليلة وانصرفت .

--> ( 1 ) النافجة : وعاء المسك .